سوق العملات الرقمية من أكثر الأسواق التي تشهد تغيرات سريعة في الأسعار، لكن هذه التحركات ما تحدث بسبب عامل واحد أو خبر منفرد؛ بل تنتج عن تفاعل العرض والطلب والسيولة مع تدفقات المستثمرين والسياسة النقدية والقرارات التنظيمية والمشتقات المالية.
لذلك، فهم حركة السوق يحتاج إلى تحليل العوامل التي تدفع الأموال للدخول أو الخروج، وكيف يمكن لعامل اقتصادي أو تنظيمي واحد أن يبدأ سلسلة من التحركات داخل سوق الكريبتو. وتشير هيئة الأوراق والأسواق المالية الأوروبية إلى أن أسواق الأصول المشفرة تتميز بدورات مرتفعة التقلب مع تركز القيمة السوقية وأحجام التداول في عدد محدود من الأصول.
كيف يتحرك سوق العملات الرقمية؟
يتحرك سوق العملات الرقمية من خلال نشاط التداول وتغير مستويات السيولة بين الأصول والمنصات، مع وجود ترابط واضح بين أسعار كثير من العملات. وبمعنى أبسط، حركة السوق مو مرتبطة بعملة واحدة فقط، بل تتأثر أيضا بتركيز التداول والسيولة وطريقة انتقال النشاط بين الأصول، ويتضح ذلك فيما يلي:
تركيز التداول في العملات الكبرى
يتركز جزء كبير من القيمة السوقية وأحجام التداول في عدد محدود من العملات الرقمية، لذلك يكون لتحركات الأصول الكبرى وزن أكبر في اتجاه السوق مقارنة بالعملات الأقل نشاطا.
اختلاف السيولة بين العملات
السيولة مو متساوية بين جميع الأصول؛ إذ أظهرت بيانات السوق أن العملات الأكثر تداولا تتمتع بسيولة أفضل، بينما ترتفع فروق الأسعار عادة في الأصول الأقل نشاطا.
ترابط حركة الأسعار
تتحرك كثير من العملات الرقمية بدرجة عالية من الترابط، وهذا يفسر ليش نشوف أحيانا صعود أو هبوط مجموعة كبيرة من الأصول في الوقت نفسه بدلا من تحرك كل عملة بشكل مستقل.
دور العملات المستقرة في التداول
تدخل العملات المستقرة في أكثر من 60% من معاملات الكريبتو التي تناولتها الدراسة، وتستخدم كوسيلة للاحتفاظ بالقيمة داخل السوق أو الانتقال بين الأصول دون الحاجة إلى الخروج مباشرة إلى العملات التقليدية. [1]
حركة سوق العملات الرقمية تعتمد على شبكة مترابطة من التداول والسيولة وانتقال الأموال بين الأصول، وليس على سعر عملة منفردة فقط. ومن هنا نقدر نفهم بشكل أدق العوامل التي تحدد أسعار العملات الرقمية وتدفعها للصعود أو الهبوط.
وش العوامل التي تحدد أسعار العملات الرقمية؟
تتشكل أسعار العملات الرقمية نتيجة مجموعة من العوامل المرتبطة بقيمة الأصل واستخدامه ومدى الطلب عليه، لذلك ما فيه معيار واحد يمكن من خلاله تحديد السعر العادل لكل عملة. وتوضح هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية أن قيمة العملات والرموز الرقمية يمكن أن تتأثر بعدة عوامل، أبرزها:
· زيادة تبني العملة واستخدامها كوسيلة للتبادل أو مخزن للقيمة يمكن أن تؤثر في الطلب عليها.
· مستوى السيولة يحدد مدى سهولة شراء العملة أو بيعها داخل السوق.
· ظهور منافسين جدد قد يقلل الطلب على مشروع أو أصل رقمي قائم.
· التغيرات التقنية في الشبكة ممكن ترفع قيمة الأصل أو تؤثر فيها بشكل سلبي.
· زيادة الطلب المتوقع على التطبيق أو الشبكة المرتبطة بالعملة قد تغير تقييمها.
· التغير في تكاليف التعدين أو التحقق قد يكون مؤثرا إذا كان سعر الأصل مرتبطا بهذه العوامل. [2]
بالتالي، أسعار العملات الرقمية تتشكل من تفاعل القيمة المتوقعة والسيولة والاستخدام والمنافسة، مو من المضاربة وحدها.

كيف تؤثر السيولة وحجم التداول في تحركات العملات الرقمية؟
تؤثر السيولة وحجم التداول في قوة تحركات العملات الرقمية ومدى سهولة تنفيذ عمليات الشراء والبيع، لكن ارتفاع حجم التداول ما يعني بالضرورة ارتفاع السعر. فالسوق الأكثر سيولة يكون عادة أقدر على استيعاب الصفقات، بينما تختلف حساسية الأسعار كلما انخفضت السيولة، ويتضح ذلك من خلال الآتي:
عمق السوق يرفع قدرة السوق على استيعاب الصفقات
كلما زاد عمق دفتر الأوامر توفرت أوامر شراء وبيع أكثر بالقرب من السعر الحالي، وهو ما يعكس قدرة أكبر على تنفيذ الصفقات دون الحاجة إلى الانتقال بين مستويات سعرية متباعدة.
حجم التداول يكشف مستوى النشاط والسيولة
أظهرت بيانات ESMA أن البيتكوين يجمع بين حجم تداول مرتفع وفروق سعرية منخفضة جدا، بينما سجلت أصول أخرى أحجام تداول أقل وفروقا أكبر، وهو ما يشير إلى انخفاض مستوى السيولة فيها.
فروق الأسعار تعكس تكلفة التداول
كلما ضاق الفرق بين أعلى سعر شراء وأقل سعر بيع كانت السيولة عادة أفضل وتكلفة الدخول والخروج أقل، بينما ترتبط الفروق الأوسع بسيولة أضعف وتكاليف تداول ضمنية أعلى.
السيولة تختلف بين العملات والمنصات
السيولة مو موزعة بالتساوي في سوق الكريبتو؛ فقد وجدت الدراسة أن المنصات الأكبر تتمتع عادة بعمق أعلى وفروق أسعار أقل مقارنة بالمنصات المتوسطة، كما تختلف مستويات السيولة بوضوح بين أصل رقمي وآخر. [1]
لذلك يساعد تحليل السيولة وحجم التداول على فهم مدى قوة السوق وقدرته على استيعاب الصفقات، لكنه ما يكفي وحده لتحديد اتجاه السعر.
كيف تؤثر الفائدة والسياسة النقدية في سوق الكريبتو؟
تؤثر الفائدة والسياسة النقدية في سوق الكريبتو من خلال تغيير شهية المستثمرين للمخاطرة وتكلفة رأس المال، لذلك تشديد السياسة النقدية ممكن يضغط على أسعار العملات الرقمية، بينما ترتبط استجابة السوق بدرجة تحمل المستثمرين للمخاطر. ويمكن توضيح أبرز التأثيرات فيما يلي:
· تشديد السياسة النقدية الأمريكية يرتبط بتراجع العامل المشترك الذي يحرك جانبا كبيرا من أسعار العملات الرقمية.
· رفع سعر الفائدة الفيدرالية بنسبة نقطة مئوية ارتبط بانخفاض مستمر في عامل الكريبتو خلال الأسبوعين التاليين للصدمة النقدية.
· ارتفاع الفائدة يزيد درجة تجنب المخاطر لدى المستثمر الهامشي في سوق العملات الرقمية.
· زيادة تكلفة رأس المال تدفع بعض المستثمرين إلى تقليل المراكز عالية المخاطر والتخفيف من الرافعة المالية.
· حساسية الكريبتو للسياسة النقدية أصبحت أوضح بعد 2020 مقارنة بالفترة السابقة.
· حركة الكريبتو أصبحت أكثر ارتباطا بأسواق الأسهم، خصوصا مع تقارب طبيعة المستثمرين في السوقين.
· أظهرت الدراسة تأثيرا واضحا للسياسة النقدية الأمريكية أكثر من سياسات البنوك المركزية الكبرى الأخرى، ويرتبط ذلك بدرجة كبيرة باستخدام الدولار داخل سوق الكريبتو. [3]
بكذا، الفائدة مو عامل خارجي بعيد عن سوق الكريبتو؛ بل ممكن تغير شهية المستثمرين وتدفقات المخاطرة وحركة الأسعار نفسها، وهذا يقودنا لفهم دور المستثمرين المؤسسيين في تعزيز ارتباط العملات الرقمية بالأسواق التقليدية.
كيف تغير التدفقات المؤسسية اتجاه سوق العملات المشفرة؟
تؤثر التدفقات المؤسسية في سوق العملات المشفرة من خلال زيادة حجم الأموال الداخلة والخارجة وتوسيع قاعدة المستثمرين، خصوصا بعد ظهور منتجات استثمارية منظمة مرتبطة بالبيتكوين. وكلما ارتفعت مشاركة المؤسسات، صار السوق أكثر ارتباطا بقرارات توزيع المحافظ الاستثمارية، ويتضح ذلك من خلال الآتي:
1. دخول المنتجات المتداولة المرتبطة بالبيتكوين وسع قاعدة المستثمرين القادرين على الوصول إلى السوق.
2. صافي التدفقات إلى أكبر 12 صندوق بيتكوين تجاوز 12 مليار دولار خلال الربع الأول بعد الموافقة عليها.
3. الأدوات الاستثمارية المنظمة قللت بعض العوائق المرتبطة بشراء البيتكوين بشكل مباشر.
4. زيادة سهولة الوصول ممكن تدفع المستثمرين إلى تخصيص جزء أكبر من محافظهم للأصول الرقمية.
5. التدفقات المؤسسية الكبيرة ترفع أهمية قرارات إعادة توزيع الأصول في تفسير حركة الطلب على البيتكوين.
6. منتجات الكريبتو المتداولة تجذب مستثمرين مؤسسيين وأفرادا في الوقت نفسه، ما يوسع نطاق المشاركة في السوق.
7. توسع مشاركة المؤسسات يزيد الترابط بين سوق الكريبتو والنظام المالي التقليدي.
8. خروج الأموال من هذه المنتجات ممكن يغير اتجاه الطلب مثلما تدعم التدفقات الداخلة السوق عند ارتفاعها. [4]
هذه النقاط توضح أن التدفقات المؤسسية ما تعني أن السوق بيرتفع دائما، لكنها أصبحت قناة مهمة تنقل مبالغ أكبر بين الأسواق التقليدية والكريبتو، وهذا يخلي متابعة قرارات المؤسسات وصناديق الاستثمار جزء مهم من تحليل اتجاه السوق.
كيف تؤثر الأخبار والقرارات التنظيمية في سوق العملات الرقمية؟
تأثير الأخبار يكون أقوى عندما يغير الخبر طريقة وصول المستثمرين إلى السوق أو طبيعة المنتجات المتاحة لهم. ومن الأمثلة الواضحة قرار هيئة SEC في يناير 2024 بالموافقة على إدراج وتداول عدد من منتجات Spot Bitcoin ETPs، بعد سنوات من رفض طلبات مشابهة.
وأدت الموافقة إلى توفير منتجات مدرجة في بورصات وطنية تخضع لمتطلبات الإفصاح والقواعد التنظيمية المطبقة على هذه المنتجات، ما وفر طريقا جديدا للحصول على تعرض لسعر البيتكوين.
وفي الوقت نفسه، أكدت SEC أن الموافقة تخص المنتجات نفسها ولا تمثل اعتمادا أو توصية بالبيتكوين. وهذا يوضح أن القرار التنظيمي قد يؤثر في بنية سوق العملات الرقمية وطريقة دخول الأموال إليه، حتى لو لم يغير طبيعة الأصل نفسه. [5]
كيف تتفاعل العوامل أثناء صعود وهبوط سوق العملات الرقمية؟
تتفاعل العوامل المؤثرة في سوق العملات الرقمية مع بعضها، لذلك الصعود أو الهبوط غالبا ما يكون نتيجة تغير متزامن في شهية المخاطرة والسياسة النقدية وسلوك المستثمرين، مو بسبب عامل واحد فقط. ويمكن فهم هذا التفاعل من خلال النقاط التالية:
· تتحرك أسعار كثير من العملات ضمن دورة مشتركة، إذ وجد البحث عاملا واحدا يفسر نحو 80% من التغير في أسعار الأصول المشفرة التي شملها التحليل.
· انخفاض درجة تجنب المخاطر لدى المستثمرين ارتبط بعد 2020 بفترات شهدت عوائد مرتفعة وتقلبات أكبر في سوق الكريبتو.
· تشديد السياسة النقدية الأمريكية يضغط على دورة الكريبتو، لأنه يرفع درجة تجنب المخاطر ويدفع المستثمرين إلى تقليل تعرضهم للأصول الرقمية.
· زيادة مشاركة المستثمرين المؤسسيين عززت ارتباط سوق العملات الرقمية بالأسهم وجعلت أثر الظروف المالية التقليدية أكثر وضوحا على الكريبتو.
· ارتفاع الترابط بين الكريبتو والأسواق التقليدية يعني أن الصدمات قد تنتقل بينهما بصورة أكبر كلما زاد انكشاف المؤسسات على الأصول الرقمية. [3]
دورات الصعود والهبوط في سوق العملات الرقمية تتشكل من تفاعل شهية المخاطرة والسياسة النقدية وتركيبة المستثمرين وحركة الأسواق التقليدية، لذلك قراءة عامل واحد لحاله ما تعطي صورة كاملة عن اتجاه السوق.
مؤشرات تساعد على تحليل اتجاه سوق العملات الرقمية؟
تحليل اتجاه السوق يحتاج إلى النظر إلى مجموعة من المؤشرات بدل من الاعتماد على تغير السعر وحده. وتوضح هيئة الأوراق والأسواق المالية الأوروبية أن فهم بنية سوق الكريبتو يتطلب متابعة أحجام التداول والسيولة وتركيز النشاط والترابط بين أسعار الأصول المختلفة، ومن أبرز الجوانب التي يمكن مراقبتها:
1. حجم التداول يساعد على معرفة مستوى النشاط الحالي في السوق.
2. مستوى السيولة يعطي فكرة عن سهولة تنفيذ الصفقات دون تحريك السعر بقوة.
3. تركز التداول يكشف مدى اعتماد النشاط على عدد محدود من العملات أو المنصات.
4. القيمة السوقية تساعد على مقارنة الحجم النسبي للأصول المختلفة.
5. الترابط بين أسعار العملات يوضح إذا كانت الحركة تخص أصلا واحدا أو السوق بشكل أوسع.
6. الارتباط بأسواق الأسهم يساعد على فهم أثر تغير شهية المستثمرين للمخاطرة.
7. تغير توزيع أحجام التداول قد يكشف انتقال النشاط من أصل إلى آخر. [1]
الأفضل دائما قراءة هذه المؤشرات مع بعضها؛ لأن أي مؤشر منفرد ممكن يعطي صورة ناقصة عن اتجاه السوق.

الخاتمة
يتحرك سوق العملات الرقمية نتيجة تفاعل مجموعة واسعة من العوامل، تبدأ بالعرض والطلب والسيولة ولا تنتهي عند الفائدة والتدفقات المؤسسية والقرارات التنظيمية والرافعة المالية. كما أن قوة أي عامل تتغير حسب المرحلة التي يمر بها السوق ومستوى شهية المستثمرين للمخاطرة.
ولهذا، تحليل تحركات العملات الرقمية بشكل أفضل يتطلب النظر إلى الصورة كاملة بدلا من الاعتماد على خبر أو مؤشر واحد. وفهم العلاقة بين هذه المتغيرات ما يضمن توقع السعر القادم، لكنه يعطي قراءة أكثر واقعية للأسباب التي تدفع سوق الكريبتو إلى الصعود أو الهبوط.
المراجع:
1- European Securities and Markets Authority. (2024). Crypto assets: Market structures and EU relevance. ESMA..
2- Commodity Futures Trading Commission. (16 Jul, 2018). Customer advisory: Use caution when buying digital coins or tokens. CFTC.
3- Che, N. X., Copestake, A., Furceri, D., & Terracciano, T. (2023). The crypto cycle and US monetary policy (IMF Working Paper No. 2023/163). International Monetary Fund.
4- International Monetary Fund. (2024). Global financial stability report: The last mile. IMF.
5- Gensler, G. (10 Jan, 2024). Statement on the approval of spot Bitcoin exchange-traded products. U.S. Securities and Exchange Commission.
















