كثير من الناس يوصلون لمرحلة يحسّون فيها إن مشاعرهم تتحكم فيهم أكثر من ما يتحكمون هم فيها، والقرارات المتسرّعة والانفعالات الحادة تصير جزء من يومهم. هذا الإحساس بالضياع أمام العاطفة الجيّاشة هو بالضبط ما يعالجه العلاج الجدلي السلوكي (Dialectical Behavior Therapy - DBT)، وهو أحد أكثر البرامج العلاجية فعالية عالميًا في تنظيم الانفعالات وتحسين جودة الحياة.

في هذا المقال نشرح لك بالتفصيل مفهوم العلاج الجدلي السلوكي، الفرق بينه وبين العلاج المعرفي السلوكي، مهاراته الأربع، وخطواته العملية في علاج اضطراب الشخصية الحدية، بإشراف د. يوسف فؤاد، استشاري الطب النفسي والعصبي وعلاج الإدمان في مؤسسة فرسان التعافي.

ما هو العلاج الجدلي السلوكي؟

العلاج السلوكي الجدلي (DBT) هو نوع من العلاج النفسي يهدف إلى مساعدة الأفراد على تعديل الأنماط السلوكية غير التكيفية، مثل إيذاء النفس، والأفكار الانتحارية، وإساءة استخدام المواد المخدرة.( 1 )

طوّرته عالمة النفس الأمريكية مارشا لينهان (Marsha Linehan) في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، بعد أن لاحظت أن العلاج المعرفي السلوكي التقليدي لم يكن كافيًا لمساعدة المرضى الذين يعانون من اضطراب الشخصية الحدية وميول انتحارية مزمنة. طوّرت لينهان نموذجًا يجمع بين استراتيجيتين متناقضتين ظاهريًا: التقبّل والتغيير، وهذا بالضبط ما تعنيه كلمة "جدلية" في اسم العلاج؛ فهي تشير إلى فكرة أن التناقضات يمكن أن تتعايش معًا، وأن الشخص قادر على تقبّل واقعه كما هو، وفي الوقت نفسه يعمل بجدّية على تغييره نحو الأفضل. 

اليوم يُصنَّف العلاج الجدلي السلوكي عالميًا كأحد أكثر البروتوكولات العلاجية دعمًا بالأدلة العلمية لاضطراب الشخصية الحدية، وقد وسّع نطاق استخدامه ليشمل حالات أخرى مثل اضطرابات الأكل، والإدمان، واضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب المقاوم للعلاج.

الفرق بين العلاج الجدلي السلوكي والعلاج المعرفي السلوكي

وجه المقارنة

العلاج المعرفي السلوكي (CBT)

العلاج السلوكي الجدلي (DBT)

الهدف الأساسي

تركيز أساسي على تعديل الأفكار المشوّهة التي تقود إلى سلوكيات غير صحية.

تركيز أساسي على تنظيم الانفعالات الحادة وتحمّل الضغوط النفسية الشديدة.

الفلسفة العلاجية

يعتمد بشكل أساسي على مبدأ التغيير.

يوازن بشكل متزامن بين التقبّل والتغيير.

الفئة المستهدفة

يناسب مجموعة واسعة ومتنوعة من الاضطرابات النفسية (مثل القلق والاكتئاب).

صُم خصيصًا لمن يعانون من اضطراب في تنظيم الانفعالات (مثل اضطراب الشخصية الحدية والسلوك الانتحاري المتكرر).

البنية العلاجية

يعتمد على الجلسات الفردية، ولا يشترط بالضرورة وجود جلسات جماعية.

يتضمن دمجًا بين الجلسات الفردية والجلسات الجماعية لتدريب المهارات.

العلاقة بينهما

يُمثل المظلة أو الأصل الذي ينبثق منه النوع الآخر.

يُعدّ في الأصل امتدادًا متطورًا للعلاج المعرفي السلوكي.

مهارات العلاج الجدلي السلوكي الأربع

علاج DBT بمؤسسة فرسان التعافي بالجيزة: خطواتك للتحكم بمشاعرك.

يقوم العلاج الجدلي السلوكي على تدريب المريض على أربع مجموعات أساسية من المهارات، اثنتان منها موجّهتان نحو التقبّل واثنتان موجّهتان نحو التغيير:

1.مهارة اليقظة الذهنية (Mindfulness): التدرّب على الحضور الكامل في اللحظة الراهنة، وملاحظة الأفكار والمشاعر دون إصدار أحكام عليها.

2.مهارة تحمّل الضيق (Distress Tolerance): اكتساب أدوات عملية لمواجهة الأزمات النفسية اللحظية دون اللجوء إلى سلوكيات مؤذية.

3.مهارة تنظيم الانفعالات (Emotion Regulation): التعرّف على المشاعر وفهم مسبباتها، وتعلّم كيفية التعامل معها بطريقة صحية بدلًا من كبتها أو الانفجار بها.

4.مهارة الفعالية الشخصية (Interpersonal Effectiveness): تطوير مهارات التواصل، ووضع الحدود، وبناء علاقات متوازنة مع الآخرين.

هذه المهارات الأربع تشكّل معًا شبكة الأمان التي تساعد المريض على العودة إلى التوازن النفسي واستعادة القدرة على اتخاذ القرار بعيدًا عن سطوة الانفعال اللحظي. ( 2)

تنظيم المشاعر في العلاج الجدلي السلوكي

يُعدّ تنظيم المشاعر أحد أهم محاور العلاج الجدلي السلوكي، لأن كثيرًا ممن يعانون من الاضطرابات الانفعالية يجدون صعوبة في التمييز بين الشعور نفسه وبين رد الفعل تجاهه. من خلال تدريبات منظّمة، يتعلّم المريض:

  • التعرّف على المشاعر وتسميتها بدقة بدلًا من وصفها بشكل عام.

  • فهم الوظيفة التي تؤديها كل عاطفة، وأنها ليست عدوًا يجب محاربته.

  • تقليل الهشاشة الانفعالية عبر الاهتمام بالنوم والتغذية والروتين اليومي.

  • استخدام أدوات عملية للتعامل مع المشاعر الطاغية لحظيًا، دون اللجوء إلى سلوكيات ضارة كإيذاء النفس أو تعاطي المواد.

خطوات العلاج الجدلي السلوكي لاضطراب الشخصية الحدية

يمرّ العلاج الجدلي السلوكي عادة بأربع مراحل متتالية، تُبنى كل مرحلة على ما قبلها:

1.المرحلة الأولى – الاستقرار والسلامة:

 التركيز على وقف السلوكيات المهدِّدة للحياة كإيذاء النفس أو الأفكار الانتحارية، وضبط السلوكيات التي قد تعطّل مسار العلاج نفسه.

2.المرحلة الثانية – معالجة الألم العاطفي:

 بعد تحقيق الاستقرار، يبدأ العمل على معالجة التجارب المؤلمة والصدمات النفسية التي تقف خلف الاضطراب الانفعالي.

3.المرحلة الثالثة – بناء حياة ذات قيمة:

 يتحوّل التركيز نحو حل المشكلات اليومية العادية، وتحسين العلاقات، وتعزيز احترام الذات.

4.المرحلة الرابعة – تعميق الشعور بالاكتمال:

 وهي مرحلة اختيارية لمن يشعرون بفراغ وجودي رغم التحسّن السلوكي، ويتم فيها العمل على تعميق معنى الحياة والارتباط الروحي أو الاجتماعي.

عادة ما تمتد خطة العلاج الجدلي السلوكي الكاملة لمدة تقارب العام، وتتضمن جلسات فردية أسبوعية إلى جانب جلسات جماعية لتدريب المهارات، مع إمكانية التواصل مع المعالج بين الجلسات وقت الأزمات، وهذا ما يميّز DBT عن كثير من البرامج العلاجية الأخرى.

تعد خطوة البدء في العلاج السلوكي الجدلي جزءاً محورياً من رحلة التعافي الشاملة؛ ولخطوات أكثر تفصيلاً حول بدء رحلة التعافي بشكل آمن، يمكنك الاطلاع على مقالنا [بداية طيبة لحياة أفضل: دليلك الآمن من أجل علاج الادمان]

متى لا يكون العلاج الجدلي السلوكي هو الخيار الأنسب؟

رغم فعاليته العالية، فإن العلاج الجدلي السلوكي ليس الحل الأمثل لكل الحالات؛ فقد لا يُنصح به كخط علاج أول في حالات الذهان الحاد غير المستقر، أو عندما يحتاج المريض تدخلًا طبيًا عاجلًا وتثبيتًا دوائيًا أولًا، أو إذا لم تتوفر لدى المريض القدرة أو الاستعداد للالتزام ببرنامج طويل ومكثّف يتطلب حضورًا منتظمًا وتفاعلًا فعليًا مع الجلسات. في هذه الحالات يكون التقييم الطبي الشامل هو الخطوة الأولى لتحديد المسار العلاجي الأنسب.

غالباً ما يترافق العمل على تعديل الأنماط السلوكية وإيقاف السلوكيات الضارة (مثل معاقرة المواد) مع تحديات جسدية ونفسية صعبة، وللتعرف على كيفية التعامل مع هذه المرحلة يمكنك قراءة مقالنا حول [ما هي الاعراض الانسحابية للمخدرات وكيف تتغلب عليها؟]

من يستفيد من العلاج الجدلي السلوكي؟

رغم أن العلاج الجدلي السلوكي وُلد أصلًا لخدمة حالات اضطراب الشخصية الحدية، إلا أن نطاق استفادته اتسع مع مرور السنوات ليشمل فئات أخرى، منها:

.الأشخاص الذين يعانون من تقلبات مزاجية حادة وصعوبة في ضبط ردود أفعالهم تجاه المواقف اليومية البسيطة.

.من لديهم سلوكيات إيذاء ذاتي متكررة أو أفكار انتحارية، سواء كانت مرتبطة باضطراب الشخصية الحدية أو غيره.

.المرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل، خاصة الأنماط النهمية والانفعالية منها.

.الحالات المصاحبة لتعاطي المواد، حيث تساعد مهارات تحمّل الضيق في تقليل الانتكاسات وقت الأزمات.

.من يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة المصحوب بصعوبة شديدة في تنظيم المشاعر.

الفيصل في تحديد ما إذا كان العلاج الجدلي السلوكي هو الخيار الأنسب لحالتك، هو التقييم الطبي والنفسي الشامل الذي يحدد طبيعة الأعراض وشدتها ومدى استعدادك للالتزام ببرنامج علاجي منظم.

لماذا تختار فرسان التعافي لرحلتك العلاجية؟

في مؤسسة فرسان التعافي نقدّم برنامج العلاج الجدلي السلوكي ضمن منظومة علاجية متكاملة يشرف عليها فريق طبي ونفسي بخبرة تتجاوز عشرين عامًا، وقد رافقنا أكثر من 2000 حالة في رحلة تعافيها حتى اليوم. تعمل المؤسسة وفق تراخيص حكومية كاملة وشهادات آيزو في الجودة، ضمن بيئة علاجية آمنة تضع المريض في قلب العملية العلاجية. يمكنك الاطلاع على برامجنا العلاجية المتخصصة والتعرف أكثر على فريق الأطباء والمعالجين لدينا.

إذا كنت تشعر أن انفعالاتك أصبحت تتحكم في قراراتك، أو أن من تحب يمر بهذه التجربة، فالخطوة الأولى نحو التعافي تبدأ باستشارة متخصصة. 

📞 تواصل معنا الآن عبر الاتصال أو واتساب لحجز استشارتك الحين مع فريقنا الطبي.

اتصال: +201145150842

البريد: Recoveryknights@icloud.com

المراجع:

1- Tartakovsky, M. (21 May, 2021). What is dialectical behavior therapy?. Psych Central

2- Greenstein, L. (7 Jun, 2017). Treating borderline personality disorder. National Alliance on Mental Illness.